الأربعاء، 25 يونيو 2025

 

22 محطة...  ولا قطار

 

في الشرق الأوسط، حيث يتقاطع التاريخ والجغرافيا على أعتاب الإرث الإنساني العظيم، ومهبط الرسالات، ومبعث الأنبياء، ومنطلق الحضارات الإنسانية، ووفرة الثروات الطبيعية، أرض المشاريع الكبرى التي ارتقت بالمجتمعات الإنسانية، يقف العرب اليوم على رصيفٍ طويلٍ بلا مشروع، رصيف لا يأتيه قطار، نعم ... إثنتان وعشرون دولة موزعة كالمحطات من المحيط إلى الخليج بلا سكة حديد واحة تربط بعضها ببعض، ولا إرادة تصيغ المصير المشترك.

في قلب المشهد، لا تزال فلسطين تنزف، والاحتلال الإسرائيلي يمضي في مشروعه الاستيطاني بلا كوابح، ودولٌ عربية تلملم شتاتها وأخرى غارقة في تجاذبات وإستقطابات لا تقيم لمصلحة الوطن وزنًا،  فيما الحرب قد أطلت برأسها من جديد على مياه الخليج العربي الذي لا تزال أمواجه مضطربة منذ قرن من الزمان، فالعالم يعيد ترتيب خرائطه حسب أولوياته ومشاريعه، والجبهات تُرسم بلغة المصالح، والكتل الإقليمية تتماسك... إلا الكتلة العربية التي تعيش حالة من التشرذم السياسي في زمن التحالفات العابرة للقارات، فهي تكتفي بردود الفعل الخجولة، وتجتهد قدر الإمكان بتزييف وجهها المهترئ عبر مساحيق الإعلام الصفراء.

ويا للمفارقة المؤلمة في المشهد، فبعض الدول العربية في المشرق والمغرب استطاعت أن تجد قواسم مشتركة بينها وبين الكيان الصهيوني الغاصب، الذي يُمارس الفصل العنصري، ويقود حرب إبادة ممنهجة ضد شعب أعزل، لكنها عجزت عن أن تجد هذا القاسم المشترك مع جارتها العربية، التي تشاركها التاريخ والدين واللغة والمصير، اختلت المعايير، فصار الاحتلال المتغطرس شريكًا “طبيعيًا”، وأصبحت الجيرة عبئًا، والانتماء العربي تهمةً فضلًا عن الإنتماء الإسلامي، وأصبح المشترك الديني والإنساني عقبة أمام المصالح الضيقة لبعض الأنظمة العربية المتوجسة من الشعوب بسبب إستبدادها، فهي تنظر للكيان الصهيوني كحليف يضمن لها البقاء والسلامة من رياح التغيير القادمة للمنطقة.

لسنا كشعوب عربية ولا كمسلمين دعاة حرب، بل نحن دعاة سلام مبنيّ على الاحترام المتبادل، نتوق إلى وحدة حقيقية تفرضها طبيعة المصير المشترك الذي يجمع شعوب هذه المنطقة، فالوحدة التي ننشدها لا تنطلق من أوهام الشعارات، بل من واقعٍ ممتدّ من طنجة إلى مسقط، ومن صنعاء إلى الشام، إن بيننا من المشتركات ما يكفي لبناء علاقات راسخة، وما أكثر ما يمكن تحقيقه إذا ما أُجّلت الخلافات، ورُكّز على ما يجمع لا ما يفرّق، لن نواجه التحديات الخارجية بفاعلية، ولن نحظى باحترام القوى الكبرى، ما دامت قراراتنا تُمرّر تحت الضغوط، وما دام كل بلدٍ يُستفرد به على حدة، إن الكتلة العربية المنشودة لا يُكتب لها البقاء إن قامت على القوة الصلبة وحدها، بل تبدأ بالقوى الناعمة وتنضج بالتكامل، وصولًا إلى صيغة وحدة تحفظ المصالح وتُعيد للأمة وزنها ومكانتها.

لقد آن الأوان أن ننتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، أن نعيد تعريف "القوة العربية" ليس من باب العسكرة والتنسيق الأمني فحسب، بل من بوابة التنسيق السياسي، والتكامل الاقتصادي، والتعليم، والثقافة، والمعرفة، فالعالم لا يحترم من لا يحترم نفسه، ولن تُصان حقوقنا ما دمنا عاجزين عن صناعة موقف مشترك، حتى في قضايانا المصيرية.

إن المسؤولية هنا تقع على عاتق القادة العرب أولاً وأخيرًا،  فلو اجتمعوا على مشروع، ولو في الحد الأدنى، لبات لنا وزن إقليمي يحسب له ألف حساب، لكن ما دام كل نظام يراهن على حليفه الخارجي، ويخشى جاره أكثر مما يخشى عدوه، فإننا سنظل كشعوب عربية في 22  محطة ننتظر على أرصفة الشتات بلا قطار.

 

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  قائد بلا أتباع كان وحده فوق الجبل، يرى أبعد منهم، يسمع ما لا يسمعون، ويشمّ رائحة المطر قبل أن تبرق السماء، نزل إليهم ...