الأربعاء، 25 يونيو 2025

 

عداوةٌ بلا استراتيجية

 

في السياسة كما في الحياة، العداوة المجردة لا تكفي، بل قد تكون عبئًا إن لم تتكئ على عقلٍ يديرها، ورؤيةٍ ترشدها، واستراتيجيةٍ تضبط مسارها، أما أن تُدار العداوات بالانفعال، أو تُبنى على تصورات مجتزأة، فتلك وصفة للتيه والخسارة.

اليوم، ونحن نعيش واحدةً من أخطر التحولات في الشرق الأوسط، مع تصاعد الصراع بين إيران والكيان الصهيوني، تتكشف ملامح هذا الخلل بوضوح، هناك من يتعامل مع إيران وكأنها كتلة واحدة من الشر، ويظن أن سقوطها سيكون نصرًا نهائيًا، أو نهاية طبيعية لتوتر طويل، لكنه لا يدرك أن سقوط القوى الإقليمية الكبرى لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يُدخل المنطقة كلها في مرحلة فراغ، يتسلل منها الأسوأ، وما العراق عنا ببعيد.

إن من يقرأ التاريخ يدرك أن سقوط الاتحاد السوفيتي، مثلًا، لم يجلب السلام للعالم، بل أعاد تشكيله على أسس من الهيمنة والتوترات، وكذلك قد يفعل سقوط إيران، لا يفتح الأبواب أمام نهضة عربية، بل يُربك التوازنات ويخلق اضطرابًا بلا ضوابط. لسنا في معرض الدفاع عن السياسات الإيرانية، ولا إنكار ما تسببه من توتر عبر أذرعها في الإقليم، لكن الحكمة السياسية تفرض التفريق بين الموقف من سلوك، والرؤية تجاه الدولة، فعداوة بلا استراتيجية لا تنتج تحالفات، ولا تبني مواقف، بل تستهلك الطاقات وتضيع الفرص.

إن دول الخليج، بما تملكه من استقرار وموارد، أحوج ما تكون إلى بوصلة دقيقة في إدارة خلافاتها الإقليمية، المطلوب ليس أن نُحب إيران أو نؤيد مشروعها، بل أن نحسن فهمها، ونفصل ملفاتنا معها، ونتعامل بمنطق “إدارة الخلاف”، لا منطق “إلغاء الخصم”.

قد يكون التحدي الأكبر أمامنا في الخليج، هو أن نتعامل مع اللاعبين الكبار بوعي استراتيجي لا تحكمه المشاعر ولا الاستقطابات الطائفية أو الأيديولوجية، المصلحة الوطنية تتطلب فهم طبيعة العلاقات المركبة، وفصل الملفات، وتقدير اللحظة السياسية، فقد تختلف مع دولة في الملف النووي، وتتعاون معها في الطاقة أو الاقتصاد، وقد تصارعها في الإعلام، لكنك تحاورها خلف الكواليس.

 

إن رهن السياسات بالمشاعر، وجرّ الشعوب بدوافع سياسية صرفة إلى عداءات مطلقة ترتكز على العنصرية أو المذهبية، يُسهم في تعقيد المشهد بدل تبسيطه، ويجعل القرار السياسي أسيرًا لضغط الرأي العام، بدل أن يكون هو من يصنع وعي الرأي العام بذكاء. وفي هذا العالم المليء بالتحولات، نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من موقف، نحتاج إلى استراتيجية، فليست كل عداوة صحيحة، حتى وإن بدت مبررة، ما لم تُبنَى على رؤية واعية للمصالح، وللأخطار، وللممكنات.

ختامًا، إنّ الأمن الحقيقي لا يُبنى على صخب الشعارات ولا على نشوة الخصومات العابرة، بل على هندسةٍ دقيقة للمصالح، يشارك فيها صنّاع القرار، والخبراء، والبرلمانيون، والرأي العام الواعي معًا، فلنجعل بوصلة سياساتنا نابعةً من رؤيةٍ تستشرف مخاطر الغد، وتستثمر فرصه، لا من ردّات فعلٍ آنية تُسقطنا في فخّ العداوة بلا استراتيجية، عندئذٍ وحده حين تتقدّم الحكمة على الانفعال يمكن لهذه المنطقة أن تتحرّر من دوّامة الصراعات المفتوحة، وتخطو بثبات نحو استقرارٍ يليق بشعوبها وأجيالها القادمة.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  قائد بلا أتباع كان وحده فوق الجبل، يرى أبعد منهم، يسمع ما لا يسمعون، ويشمّ رائحة المطر قبل أن تبرق السماء، نزل إليهم ...