الدبلوماسية القطرية في قلب العاصفة
في زمنٍ تتشابك فيه
خيوط النار والدخان، وتختلط فيه
الحسابات الإقليمية بالمواقف الدولية، برزت
قطر من جديد
بوصفها صوت الحكمة والعقل، وسط
دوامة الحرب المحتدمة بين
إيران وإسرائيل، لم تكن
الضربة الصاروخية التي
سقطت على أرض
قطر حدثًا عابرًا، بل
كانت لحظة فارقة، وضعت
الدولة أمام اختبار بالغ
الحساسية، واختبرت قدرتها على
الموازنة بين السيادة والأمن، وبين
التهدئة وردة الفعل.
لكن المذهل في
هذه اللحظة، لم
يكن ما حدث،
بل كيف تعاملت معه
قطر، لم تصدر البيانات الانفعالية، ولم
تُشعل وسائل الإعلام بخطاب
التأجيج، بل اختارت لغة
الدولة المسؤولة، التهدئة وضبط
النفس، والعمل الدبلوماسي الدؤوب، فبينما كان
الرأي العام يتأرجح بين
القلق والغضب، كانت
غرف السياسة في
الدوحة تشتغل بصمت،
وبتصميم، لاحتواء الموقف، وتفكيك خيوط
الأزمة، والمساهمة في
وقف الانزلاق إلى
حرب إقليمية شاملة.
أثبتت قطر مرة
أخرى أن الدبلوماسية ضرورة حاسمة
في لحظات التوتر، لم تتراجع عن
دورها في الوساطة، ولم
تنسحب من ساحة
الحوار، بل مضت
إلى الأمام، تتحدث
مع كل الأطراف، وتُسمع صوت
العقل، وتُذكّر العالم بأن
الحلول لا تُصنع
بالصواريخ، بل بالكلمات، وبناء
الجسور لا الجدران.
نعم، كانت هناك
مخاطر أمنية، وصدمة
مجتمعية، لكن القيادة القطرية ارتقت
فوق الجراح، وتعاملت مع
الضربة لا كذريعة للانتقام، بل
كنداء مضاعف للعمل
من أجل السلام، واليوم مع
مؤشرات نزع فتيل
التصعيد، يمكن القول
إن قطر لم
تكن مجرد ضحية
لحدث عابر، بل
كانت لاعبًا محوريًا في
منعه من التمدد والانفجار.
ولا
يمكن أن يمر هذا الحدث دون توجيه أسمى آيات الشكر والعرفان لجنودنا البواسل، الذين
كانوا على قدر المسؤولية، وواجهوا الهجمات الصاروخية بكفاءة ويقظة، فكانوا درع الوطن
وسياجه المنيع، لقد أثبت رجال القوات المسلحة، والجهات الأمنية، أنهم على استعداد دائم
لحماية الأرض والناس، وأن أمن قطر ليس صدفة، بل ثمرة تدريب وولاء وتفانٍ لا يعرف التردد،
لهم منا التحية والامتنان، وهم يسطرون فصولًا جديدة من الثقة الوطنية والمهنية الصامتة
التي تحمي دون أن تتحدث، وتصنع الأمان دون ضجيج.
ولم يكن المشهد الوطني مكتملًا دون الإشادة بالموقف
الشعبي الذي أظهر قدرًا عاليًا من الوعي والثبات، فعلى الرغم من وقع المفاجأة، تعامل
المواطن والمقيم مع الحدث بقدر من المسؤولية والانضباط، بعيدًا عن الهلع أو نشر الإشاعات،
ومضت الحياة اليومية في إطارها الطبيعي إلى حد كبير، وكأن هناك عقدًا غير مكتوب بين
الدولة والمجتمع، يقوم على الثقة المتبادلة، واليقين بأن الأمور في يد أمينة، لقد أثبت
هذا الموقف أن وعي الشعوب عنصرًا أساس في إدارة الأزمات وبناء الأمان الداخلي، التحية للدبلوماسية القطرية قيادةً ولكل من
حمل ملف الحوار في
أشد لحظات الغموض، والتحية لهذا
الشعب الذي ظل
واثقًا من دولته، واعيًا بدورها، مؤمنًا بأن
صغر المساحة لا
يعني صغر الدور، وأن
الأصوات الهادئة في
الأزمات، هي التي
تكتب التاريخ.
ولا يفوتنا في
هذا المقام أيضًا إلا أن
نشيد بالموقف الدولي المتفهم، وبوجه
خاص الموقف الخليجي النبيل الذي
وقف إلى جانب
قطر في هذه
المحنة العابرة، مؤكدًا مجددًا أن
أمن الخليج كلٌ
لا يتجزأ، وأن
المصير مشترك مهما
اختلفت التحديات، لقد برهنت
هذه اللحظة على
أهمية التكاتف، وفتحت
نافذة أمل لانطلاقة جديدة
نحو عمل خليجي
مشترك أكثر نضجًا
وفاعلية، ونأمل أن تدفع
هذه الأزمة نحو
تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، خصوصًا تلك
المرتبطة بالبنية التحتية والأمن الغذائي والطاقة والربط اللوجستي، بما
يعزز استقرار الخليج وازدهاره، ويحصنه أمام
عواصف المستقبل.
المهندس إبراهيم بن هاشم السادة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق