حين يغيب المنطق... تضيع الحقيقة ولو كثرت الأدلة
في
عالمٍ يفيض بالمعلومات، لا
يكمن التحدي في
الكَمّ، بل في
الكيف، فغياب
المنطق عن التحليل، سواء
في حال شُحّ
المعطيات أو وفرتها، يُفضي
إلى الضلال في
الفهم، والانحراف في
التقدير، المنطق ليس ترفًا
عقليًا، بل أداة
أساسية لتفسير الوقائع، وربط
الأحداث، واستخلاص النتائج.
في
السياسة، كما في
العلوم، يُشكل المنطق السراج الذي
يضيء لنا الظلمة، وعندما تغيب
الحقائق، أو تتعرض
للتشويش، لا بد
من إعمال الفكر
وربط التفاصيل وطرح
الأسئلة الصائب، وهنا يصبح المنطق بديلاً عن
المعلومة المفقودة، بل
وسيلة لتحويل المعلومات المتاحة إلى
رؤية متماسكة.
ولعلّ
أبلغ ما يشهد
على مركزية المنطق في
الفهم، هو قول
الله تعالى:
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ
ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، فالآية تُحذر
من التسرع في
إذاعة الأخبار، وتدعو
إلى إرجاعها إلى
أهل الاستنباط أي
الفهم الدقيق والاستنتاج العميق وهو
جوهر المنطق في
الإسلام، فالاستنباط لا
يعني النقل، بل
إدراك العواقب واستنتاج الحقائق من
القرائن.
وفي
المشهد العربي، تتجلى
أهمية المنطق في
مواضع شتى، خذ مثلاً
الموقف من إيران؛ فبعض
الخطابات تختزلها في
"خطر طائفي"،
بينما يغيب السؤال الجوهري: هل
تتحرك إيران بدافع
مذهبي محض؟ أم
أنها تدير مشروعًا جيوسياسيًا متماسكًا؟ المنطق يغيب
عندما يتم تجاهل
البعد الاستراتيجي، لصالح
قراءة عاطفية أو
غريزية للمشهد.
وفي
الحرب الأخيرة على
غزة، رأى البعض
أن تدمير البنية التحتية دليل
على "هزيمة المقاومة"،
بينما العقل المنطقي يسأل:
هل فشل الاحتلال في
فرض الاستسلام؟ هل
تغيرت قواعد الاشتباك؟ لقد
كشفت المقاومة عن
قدرة على الصمود والتأثير، رغم
الكلفة الباهظة، وهو
ما لا يمكن
فهمه إلا عبر
منظور استراتيجي، لا
عاطفي.
أما
في ملف التطبيع مع
الكيان الصهيوني، فالمبررات التي
تُطرح باسم "المصلحة الوطنية" تفتقر إلى
اختبار منطقي بسيط:
ما هي المصلحة في
التخلي عن ورقة
ضغط دون مقابل؟ هل
يمكن الوثوق بشريك
يواصل احتلاله وعدوانه دون
توقف؟ المنطق هنا
يغيب أمام خطابٍ
ديبلوماسي يُخفي خضوعًا سياسيًا.
وفي
الملفين السوري والليبي، تتعدد
التحليلات بتعدد الانحيازات، دون
مساءلة نزيهة لأهداف التدخلات الأجنبية: لماذا تُرحب
قوى معينة بتدخلات وتدين
أخرى؟ من المستفيد من
الفوضى؟ ومن يسعى
لاستقرار فعلي؟ دون
أدوات تحليل عقلانية، تتحول
المواقف إلى شعارات متضاربة لا
رؤية موحدة وراءها.
إن
المنطق هو البوصلة التي
لا يستغني عنها
العقل، سواء أكان
في صحراء الجهل
أو غابة المعلومات المتشابكة، وإذا أردنا
إصلاح التحليل في
إعلامنا وخطابنا السياسي، فلنبدأ بتعليم مهارة
الاستنباط، وتربية الحس
النقدي، وزرع ثقافة
التفكير… قبل أن
نطلب المزيد من
المعلومات.
المهندس إبراهيم بن هاشم السادة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق