غُلِبَتِ الرُّوم
في مشهد
يعجّ بالتحولات، تتصدر الحرب المحتدمة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني واجهة الأحداث، كاشفةً عن عمق التناقضات التي تضرب المنطقة، واختلال بوصلة المواقف لدى كثير من الأنظمة والأفراد.
منذ قيامها
عام 1979، التزمت الجمهورية الإيرانية نهجًا سياسيًا صلبًا في سبيل تحقيق مشروعها المناهض للهيمنة الغربية والذي تعتبره إسرائيل
تهديدًا وجوديًا لها، متحمّلة العقوبات والتضييق والتشهير، بينما راحت دول في المنطقة، بعضها يبعد جغرافيًا آلاف الكيلومترات عن فلسطين المحتلة، تُهرول للتطبيع، وتمنح الشرعية لكيان لا يكفّ عن ارتكاب المجازر، بل صار يتجاوز حدود فلسطين ليقصف في دمشق وبغداد وغزة وبيروت، واليوم في طهران وأصفهان.
قد لا
يتفق كثيرون مع السياسات الإيرانية، وقد تتعدد الانتقادات تجاه مواقفها في ملفات العراق وسوريا ولبنان، بل وتتجاوز ذلك إلى إختزال المشهد السياسي في الفوارق المذهبية
أوإختزاله في السعي لتصدير الثورة والتوسع الطائفي، ولن نختلف على ذلك كله، ولكن
السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه اللحظة التاريخية هو من يقف اليوم في وجه إسرائيل ومشروعها التوسعي؟
لقد أثبتت
هذه الحرب وغيرها من النزاعات المسلحة التي كانت إيران طرفًا مباشر أو غير
مباشر فيها، بما لا يدع مجالًا للشك، أنها لم تُنفق مداخيلها على الكماليات، ولا رهنت قرارها للسفارات الغربية، بل سخرت مواردها لبناء منظومة ردع ذاتية فاعلة، تسندها استراتيجية بعيدة النظر، لذا لم نسمع عن صفقات سلاح مشروطة تنتهي على الرفوف أو تتحول إلى عمولات، بل عن صواريخ تطال الأعماق وتقلب موازين الردع.
ففي خضم
الحرب المشتعلة بين إيران والكيان الصهيوني، تتكشف ملامح مشروع إيراني طويل النفس مقابل واقع عربي يفتقر إلى البوصلة، وذلك أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ أكثر من أربعة عقود على قيامها، سواء إتفقنا أو إختلفنا،
تحمل مشروعًا جيوسياسيًا متكاملًا، تقوده عقيدة سياسية واضحة، تُربّى عليه الأجيال، وتُسخَّر له الموارد، وتُبذل من أجله التضحيات، وتدعم كل حراك في المنطقة يصبّ
في اتجاه مشروعها.
في المقابل،
لا يبدو أن للعرب، ومنذ سقوط الدولة العثمانية عام 1924، مشروعًا جامعًا واحدًا، لم تظهر بعد رؤية مشتركة تُبذل من أجلها التضحيات، مشاريع الوحدة من عبد الناصر إلى صدام حسين تهاوت سريعًا، وحتى التكتلات الإقليمية مثل مجلس التعاون لم تتحول إلى قوة استراتيجية فاعلة، بل تُظهر الخريطة العربية اليوم مشاريع متنافرة، وتحالفات غير متكافئة، فمنهم
من يراهن على واشنطن أو موسكو أو بكين، وكلٌّ يغني على ليلاه.
وقد عبّر
المفكر مالك بن نبي عن هذا الفارق حين قال: "الأفكار العظيمة تموت في الأوطان التي لا مشروع لها"، كما نبّه المفكر شكيب أرسلان منذ زمن بعيد إلى خطورة الانقسام حين قال: "إن التنافس بين الأشقاء العرب أشد خطرًا من عدوان أعدائهم."
إن الفقه السياسي لا يُلغي الفقه الشرعي، بل يستكمله، والسيرة النبوية حافلة بالشواهد على فقه العلاقات الدولية والموازنات المرحلية، ألم يفرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس في قوله تعالى: "ألم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۚ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ..."
فكيف لا نفرح اليوم حين تتلقى إسرائيل ضربات موجعة من قوة إسلامية مهما اختلفنا معها، لكنها لا تزال تصرّ على أن فلسطين هي القضية المركزية، وتترجم ذلك في خطاباتها وأفعالها،
وأن الصهيونية خطر على المنطقة ككل؟، إننا أمام مفترق طرق وجودي، وعلينا أن نُحسن الاختيار بين العاطفة والعقل، بين المصلحة والارتجال.
وإذا كان الله قد بشّر المؤمنين يومًا بنصر الروم، رغم كونهم أهل كتاب، لأنهم كانوا الطرف الأعدل في معادلة الصراع آنذاك، فإن فرح المؤمنين اليوم بنيل العدو الصهيوني جزاءه ليس انحيازًا لطرف مذهبي، بل انحيازًا لفكرة مقاومة المعتدي، ولأي مشروع يثبت جديته في الوقوف بوجه المحتل، لقد قال الله: "ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله"، فليس من
العقل ولا من الإيمان أن نفرح لهزيمة من يقاوم، ونتجاهل غطرسة من يحتل ويقتل ويُهوّد في زمن تتداخل فيه المواقف وتتشابك المصالح، لعلّ الآية الكريمة تعيد ترتيب المفاهيم وتوقظ الغافلين.
وختامًا نشيد ونؤيد
الموقف السياسي العربي عمومًا والخليجي خصوصًا الذي عبر عن إستنكاره وتنديده رسميًا
للهجمات الصهيونية على إيران عبر بيانات نشرت على حسابات وزارات الخارجية العرب،
ولعل هذا الموقف أن يكون نقطة إستشعار للخطر الداهم، وإنطلاقة لمشروع عربي يعيد
تموضع الكتلة العربية على خارطة القرارات الإستراتيجية في المنطقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق